محمد بن عبد الكريم الشهرستاني
134
تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار
الإيمان منزلة الشهادة ؛ ( 53 ب ) وحيثما كان ثمّ طهارة عن خبث أو حدث نزلت عليها شهادة ، وركبتها استقامة ؛ وحيثما كان استقامة نزلت عليها الملائكة . قال اللّه تعالى : إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ وذلك وجه نظم الكلام بين قوله تعالى : هُدىً لِلْمُتَّقِينَ وبين تعريفه وبيانه المتّقين ب الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ . قوله - جلّ وعزّ - : الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ ( 3 ) اللغة [ و ] التفسير ورجعنا إلى التفسير : إنّ الأصل في الإيمان هو التصديق : وَما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا أي مصدّق . قال الأزهري : أصله الطمأنينة إلى الشيء من قولهم : أمن يأمن أمنا ، إذا اطمأنّ وزال خوفه ؛ وأمّنت فلانا ، أي جعلته يطمئنّ وتسكن نفسه ؛ وآمن باللّه ورسوله ، إذا صدّقهما واثقا بذلك مطمئنّا إليه . قال : واشتقاق الإيمان من الأمانة ؛ واللّه تعالى جعل تصديق العبد إيّاه أمانة ؛ فمن آمن فقد دخل في أداء الأمانة التي ائتمنّه اللّه عليها ؛ وقال أبو القاسم الزجاجي : معنى التصديق في الإيمان لا يعرف من حيث اللغة إلّا بالاعتبار والنظر ؛ لأنّ حقيقته ليست للتصديق ولكن إذا نظرت في موضوع هذه الكلمة ظهر لك من باطنها معنى يرجع إلى التصديق ، وذلك أنّ آمن أفعل من أمن ، فإذا قال القائل : « آمنت باللّه » فإنّ آمنت فعل متعدّ ومعناه آمنت نفسي ، أي جعلتها في أمان اللّه بتصديقي إيّاه ؛ لأنّ الأمن من عذاب اللّه لا يحصل إلّا بتصديقه ؛ فإذا صدّقه فقد آمن نفسه ؛ فصار التصديق إيمانا للعبد ؛ وجاز أن يعبّر عن التصديق بالإيمان ؛ لأنّ أحدهما ينسب إلى الآخر ؛ والباء في قوله : « آمنت باللّه » ليست للتعدية وإنّما هي باء الإلصاق التي سمّاها النحويون باء الاستعانة ، كما يقول : قطعت بالسكّين . كذلك وقع إيمان النفس من العذاب بتصديق اللّه تعالى ؛ وحذف المفعول من قوله « آمنت باللّه » لدلالة المعنى عليه ، 430 كما يقال : حمل فلان على العدوّ ، أي سلاحه أو نفسه . 431 ثمّ جعل الإيمان بمعنى التصديق في قوله : وَما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا : بمصدّق ، ولم يقل : بنا ؛ لانّه أراد التصديق الخالص لا إيمان النفس من العذاب كما في قوله : آمنت باللّه ؛